محمد محمد أبو موسى
166
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
أن القرآن نزل بلسان القوم ، وعلى مذهبهم ، ومن مذاهبهم التكرار إرادة التوكيد والافهام ، كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والايجاز ، لأن افتنان المتكلم والخطيب في الفنون وخروجه من شئ إلى شئ أحسن من اقتصاره في المقام على فن واحد « 128 » . « وأما تكرار : « فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ » « 129 » فإنه عدد في هذه السورة نعماءه ، وأذكر عباده آلاءه ، ونبههم على قدرته ولطفه بخلقه ، ثم أتبع ذكر كل خلة وصفها بهذه الآية ، وجعلها بين كل نعمتين ليفهم النعم ويقررهم بها . . ومثل ذلك تكرار : « فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ » « 130 » في سورة « اقتربت الساعة » أي هل من معتبر متعظ » « 131 » . ويذكر تكرار المعنى بلفظين مختلفين ، وأن يكون لاشباع المعنى والاتساع في الألفاظ وذلك قول القائل : آمرك بالوفاء وأنهاك عن الغدر ، والأمر بالوفاء هو النهى عن الغدر ، وآمركم بالتواصل وأنهاكم عن التقاطع ، والأمر بالتواصل هو النهى عن التقاطع ، وكقوله سبحانه : « فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ » « 132 » والنخل والرمان من الفاكهة فأفادها من الجملة التي أدخلها فيها لفضلهما وحسن موقعهما » « 133 » . وقد درس القاضي عبد الجبار التكرار ودافع عن بلاغته ، وذكر أن شيخه أبا على قد أشبع القول فيه في مقدمة التفسير ، فذكر أن العادة من الفصحاء جارية بأنهم قد يكررون القصة الواحدة في مواطن متفرقة بألفاظ مختلفة لأغراض تتجدد في المواطن وفي الأحوال ، وذلك من دلالة المفاخر والفضائل لا من دلالة المعايب في الكلام « 134 » .
--> ( 128 ) تأويل مشكل القرآن ص 182 . ( 129 ) الرحمن : 13 وغيرها . ( 130 ) القمر : 15 وغيرها . ( 131 ) تأويل مشكل القرآن ص 185 . ( 132 ) الرحمن : 68 . ( 133 ) تأويل مشكل القرآن ص 186 . ( 134 ) المغنى ج 16 ص 397 .